الشرق الأوسط بين سلامٍ مؤجّل وحربٍ مفتوحة





الشرق الأوسط بين سلامٍ مؤجّل وحربٍ مفتوحة
9/07/2026
سيدني – الميدل ايست تايمز الدولية: كثرت الاتفاقات، وتعدّدت جولات التفاوض، وتنقّلت اللقاءات من عاصمة إلى أخرى، لكن النتائج العملية بقيت غائبة، أو محدودة، أو عاجزة عن وقف النزف. في كل مرة يُعلن فيها عن إطار جديد أو تفاهم جديد، ترتفع الآمال قليلاً، ثم سرعان ما تصطدم بواقع الميدان: احتلال قائم، ضربات متواصلة، بيوت تُنسف، ودماء تسيل في الجنوب اللبناني من دون توقف.
من هنا يبرز السؤال الجوهري: ما معنى لقاءات تفاوض جديدة بين لبنان وإسرائيل إذا كانت إسرائيل لم تلتزم تنفيذ اتفاق الإطار، ولا تزال تحتل مساحات في الجنوب اللبناني، وتواصل عملياتها العسكرية تحت عنوان الأمن والدفاع عن النفس؟ وهل يمكن لأي تفاوض أن يكون جدياً فيما ميزان القوة على الأرض يفرض منطقه، وحياة المدنيين تبقى معلّقة بين هدنة هشة وتصعيد مفاجئ؟
لبنان، في هذه المعادلة، ليس مجرد ساحة جغرافية صغيرة على خريطة الشرق الأوسط. إنه مرآة دقيقة لتوازنات المنطقة، ومؤشر حساس إلى طبيعة الصراع الأكبر بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى. فكل اهتزاز في العلاقة الأميركية ـ الإيرانية يترك صداه فوراً في لبنان، كما في الخليج والعراق وسوريا واليمن. وحين تتعطل لغة الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، تتقدم لغة الصواريخ، وتتحول الدول الصغيرة إلى ساحات اختبار للقوة والرسائل.
وقد زادت المخاوف مع عودة إطلاق النار والتصعيد بين أميركا وإيران، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن مذكرة التفاهم المرتبطة بوقف النار مع إيران باتت “منتهية”، بحسب تقارير إعلامية نُشرت في 8 تموز/يوليو 2026. كما تحدثت تقارير أخرى عن تجدد الضربات والردود، وعن ارتفاع مستوى التوتر في الخليج ومحيط مضيق هرمز، بما يهدد أمن الطاقة والملاحة الدولية.
في ظل هذا المشهد، تبدو المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، مهما كانت عناوينها، غير قادرة وحدها على إنتاج سلام ثابت ما لم تكن جزءاً من تسوية إقليمية أوسع. فالمشكلة لم تعد محصورة بترسيم حدود أو انسحاب من نقاط محتلة أو وقف إطلاق نار مؤقت. المشكلة أعمق من ذلك: إنها تتصل بمستقبل النفوذ الإقليمي، وبمصير السلاح خارج الدولة، وبالضمانات الأمنية لإسرائيل، وبحق لبنان في السيادة الكاملة، وبأمن الخليج، وبالبرنامج النووي الإيراني، وبالوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
لذلك، يرى كثير من الخبراء والمراقبين أن الحل الحقيقي لا يمكن أن يولد من تفاوض جزئي أو هدنة مؤقتة، بل من تفاهم كبير بين أميركا وحلفائها وإيران وحلفائها، يقوم على قواعد واضحة: وقف الحروب بالوكالة، احترام سيادة الدول، تحييد المدنيين، ضبط السلاح، ضمان أمن الملاحة والطاقة، وفتح باب سلام شامل يضم لبنان ودول الخليج العربية وإسرائيل ضمن رؤية إقليمية جديدة.
أما استمرار سياسة “إدارة الأزمة” بدل حلّها، فلن يؤدي إلا إلى تمديد الحرب بأشكال مختلفة. قد تهدأ الجبهات أياماً أو أسابيع، لكنها ستعود للاشتعال ما دامت جذور الصراع بلا معالجة. فالهدنة بلا ضمانات ليست سلاماً، والتفاوض تحت النار ليس تسوية، والاتفاق الذي لا يُنفذ لا يصنع ثقة.
الأخطر أن المنطقة تقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما شجاعة سياسية تقود إلى سلام شامل، وإما انزلاق طويل نحو حرب مفتوحة قد تمتد سنوات. وبعض التكهنات تذهب أبعد من ذلك، محذرة من أن استمرار التصعيد في الشرق الأوسط، إذا تداخل مع مصالح القوى الكبرى، قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية أوسع، وربما أمام حرب عالمية ثالثة.
قد يكون هذا الاحتمال قاتماً، لكنه ليس مستحيلاً في عالم فقد كثيراً من ضوابطه. لذلك لم يعد المطلوب اتفاقاً جديداً يضاف إلى أرشيف الاتفاقات الفاشلة، بل قراراً دولياً وإقليمياً شجاعاً بوقف الانهيار قبل أن تصبح الحرب قدراً لا يمكن وقفه.
رئيس التحرير