أميركا أمام اختبار الحسم: إلى متى يبقى لبنان ساحة مفتوحة للنار؟





أميركا أمام اختبار الحسم: إلى متى يبقى لبنان ساحة مفتوحة للنار؟8/06/2026
مقالة رأي
سيدني – الميدل ايست تايمز الدولية: السؤال المطروح اليوم بإلحاح، بعد التصعيد الإسرائيلي المتواصل ضد لبنان، وما تبعه من ردّ إيراني ضد إسرائيل، لم يعد سؤالاً عابراً في التحليل السياسي، بل أصبح سؤالاً مصيرياً يطال مستقبل المنطقة كلها: إلى متى ستبقى الولايات المتحدة تراقب من بعيد؟ وهل تملك واشنطن الإرادة السياسية لاتخاذ قرار حاسم يضع حداً لما تقوم به إسرائيل ضد لبنان، أرض القديسين والرسالات؟
لبنان، هذا البلد الصغير بمساحته، الكبير برسالته وتاريخه وتنوعه الروحي والحضاري، لا يستطيع أن يبقى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين إسرائيل وإيران، ولا ميداناً دائماً لاختبار الصواريخ والردود العسكرية والرسائل الإقليمية. فكل ضربة تقع على أرضه لا تصيب حجراً أو موقعاً عسكرياً فقط، بل تصيب مجتمعاً منهكاً، واقتصاداً مدمراً، وشعباً لا يزال يدفع ثمن حروب لم يخترها.
التصعيد الأخير، مع الضربات الإسرائيلية على بيروت والجنوب، وما أعقبها من إطلاق صواريخ إيرانية باتجاه إسرائيل، أظهر مجدداً هشاشة الوضع الإقليمي وخطورة تحويل لبنان إلى خط تماس دائم. وقد أشارت تقارير إعلامية حديثة إلى أن الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت سبقت إطلاق إيران صواريخ باتجاه إسرائيل، في تطور وُصف بأنه من أخطر التصعيدات منذ الهدنة الهشة في أبريل الماضي. 
هنا تبرز مسؤولية الولايات المتحدة. فواشنطن ليست مراقباً عادياً في هذه المعادلة، بل هي الحليف الأكبر لإسرائيل، وصاحبة النفوذ الأوسع على القرار العسكري والسياسي الإسرائيلي. لذلك فإن الاكتفاء بالدعوات العامة إلى “ضبط النفس” لم يعد كافياً. المطلوب موقف واضح، لا يساوي بين المعتدي والضحية، ولا يسمح بأن يتحول لبنان إلى ضريبة دائمة لكل أزمة في المنطقة.
إن أميركا التي تستطيع أن تؤثر في مسار الحروب، وتفرض شروطاً في ملفات الطاقة والعقوبات والاتفاقات النووية، تستطيع أيضاً أن تقول لإسرائيل: كفى. كفى استباحة للأجواء اللبنانية. كفى ضرباً للبنى المدنية. كفى تحويل القرى والمدن اللبنانية إلى رسائل دموية موجهة إلى إيران أو حزب الله أو غيرهما.
وفي المقابل، فإن إيران أيضاً مطالبة بأن تكف عن استخدام ساحات عربية، ومنها لبنان، كمنصات ضغط في صراعها مع إسرائيل والغرب. فلبنان ليس ورقة تفاوض، ولا صندوق بريد عسكرياً، ولا جبهة بديلة عن طهران. وكذلك دول الخليج العربية، التي عانت طويلاً من التوترات الإقليمية والتهديدات المباشرة وغير المباشرة، لا يمكن أن تبقى تحت رحمة مغامرات سياسية وعسكرية يدفع ثمنها المدنيون والاقتصادات والشعوب.
لقد حان الوقت لقرار دولي حقيقي، تقوده الولايات المتحدة بالتعاون مع أوروبا والدول العربية، يضع معادلة جديدة: حماية لبنان ليست خياراً ثانوياً، بل ضرورة إقليمية ودولية. فالسكوت على ضرب لبنان اليوم يعني فتح الباب أمام حرب أوسع غداً، قد تمتد من المتوسط إلى الخليج، وتدخل المنطقة كلها في مرحلة لا يمكن ضبطها.
“لبنان ليس ساحة رسائل بين إسرائيل وإيران، بل
وطنٌ له شعبه وكرامته وسيادته، وعلى الولايات المتحدة
أن تختار بين إدارة الأزمة أو منع الانفجار الكبير.”

إن لبنان، أرض القديسين، لا يستحق أن يبقى رهينة لصواريخ الآخرين. وإسرائيل، التي تتحدث عن أمنها وحقها في الدفاع عن نفسها، لا تستطيع أن تبني أمنها على تدمير أمن جيرانها. كما أن إيران، التي ترفع شعارات المواجهة، لا يحق لها أن تجعل من لبنان درعاً سياسياً وعسكرياً في معاركها الكبرى.
المطلوب اليوم ليس بيانات قلق، بل ضمانات. ليس تصريحات دبلوماسية، بل ضغوط فعلية. وليس انتظار الحرب المقبلة، بل منعها قبل أن تشتعل. فالمنطقة تقف على حافة خطيرة، وأي خطأ في الحسابات قد يدفع الجميع إلى مواجهة لا رابح فيها.
لذلك يبقى السؤال موجهاً إلى واشنطن قبل غيرها: هل ستتحرك الولايات المتحدة لوقف الانزلاق؟ أم ستبقى صامتة حتى يصبح لبنان مرة أخرى ضحية حرب لا يريدها، ولا يملك القدرة على تحمل نتائجها؟
رئيس التحرير