| لبنان أمام ساعة الحقيقة: سلاح «حزب الله» والانسحاب الإسرائيلي على طاولة عون وترامب |
«لا تُحمى سيادة لبنان بسلاحٍ خارج الدولة، ولا بوعودٍ إسرائيلية معلّقة… بل بجيشٍ قوي ووحدة وطنية وضمانات دولية قابلة للتنفيذ».
|
لبنان أمام ساعة الحقيقة: سلاح «حزب الله» والانسحاب الإسرائيلي على طاولة عون وترامب 20/07/2026 سيدني- الميدل ايست تايمز الدولية: يدخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية بالغة الدقة، في ظل استمرار الخلاف الداخلي حول مصير سلاح «حزب الله»، وتعثر الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب، وتصاعد المخاوف من أن تتحول المفاوضات الجارية إلى مجرد إدارة مؤقتة للأزمة، بدلاً من التوصل إلى تسوية نهائية تعيد السيادة والاستقرار إلى البلاد. ولا يزال «حزب الله» يرفض تسليم سلاحه للدولة اللبنانية وفق الشروط المطروحة حالياً، مبرراً موقفه بعدم وجود ضمانات حقيقية تمنع إسرائيل من مواصلة عملياتها العسكرية أو إبقاء قواتها داخل الأراضي اللبنانية. ويرى الحزب أن الحديث عن نزع سلاحه، قبل الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، قد يترك لبنان مكشوفاً أمام أي تصعيد جديد. ويستند الحزب في خطابه إلى القول إن أهداف إسرائيل لا تتوقف عند حدود الجنوب اللبناني، وإن السياسات الإسرائيلية تحمل، من وجهة نظره، طابعاً توسعياً يطاول دولاً أخرى في المنطقة. غير أن هذه المخاوف، مهما كانت درجة صحتها أو المبالغة فيها، لا تلغي السؤال الأساسي المطروح أمام اللبنانيين: هل يمكن أن يستمر وجود قرارين عسكريين وسلاحين على أرض دولة واحدة؟ في المقابل، تتمسك قوى لبنانية واسعة بمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، معتبرة أن بقاء أي قوة مسلحة خارج المؤسسات الشرعية يعطل قيام الدولة ويجعل قرار الحرب والسلم عرضة لحسابات حزبية أو إقليمية. وتؤكد هذه القوى أن مواجهة الأخطار الخارجية لا تكون بإضعاف الجيش اللبناني أو منافسته، بل بتعزيز قدراته وتمكينه من الانتشار الكامل على الحدود وحماية جميع الأراضي اللبنانية. أزمة ثقة متجذّرة لا يمكن فصل موقف «حزب الله» عن أزمة الثقة التاريخية بين لبنان وإسرائيل، ولا عن تجارب لبنانية سابقة انتهت بانقلاب التحالفات وسقوط الرهانات السياسية والعسكرية. ويشير الحزب ومؤيدوه إلى أن إسرائيل تخلت في مراحل مختلفة عن حلفاء وشخصيات لبنانية تعاونت معها، ويستحضرون في هذا السياق تجربتي الرئيس الراحل بشير الجميل والرائد سعد حداد، للدلالة على أن المصالح الإسرائيلية تتقدم دائماً على أي التزامات أو تفاهمات مع الأطراف اللبنانية. كما أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل مناطق في الجنوب، بالتزامن مع الضربات والعمليات المتكررة، يزيد الشكوك في إمكان تنفيذ أي اتفاق من دون رعاية دولية قوية وآليات واضحة للمراقبة والمحاسبة. لكن التجارب السابقة تظهر أيضاً أن الاتكال على السلاح غير الشرعي لم يؤدِ إلى بناء دولة قادرة أو إلى حماية لبنان من الحروب. فخلال العقود الماضية، تحول الجنوب مراراً إلى ساحة مواجهة مفتوحة، ودفع المدنيون ثمناً باهظاً من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم، فيما تعرض الاقتصاد اللبناني والسياحة والاستثمار لضربات متلاحقة. واشنطن أمام اختبار الضمانات وسط هذا المشهد، تتجه الأنظار إلى زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون إلى الولايات المتحدة ولقائه المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، في أول زيارة من نوعها لرئيس لبناني إلى واشنطن منذ نحو عقدين. ومن المتوقع أن تتصدر ملفات وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل سلاح «حزب الله»، ودعم الجيش اللبناني، المحادثات بين الرئيسين. وتكتسب الزيارة أهميتها من كونها تأتي بعد جولات من المفاوضات الأميركية للوساطة بين لبنان وإسرائيل، كان آخرها في روما، حيث نوقشت خطة تقوم على إنشاء مناطق تجريبية تنتشر فيها القوات اللبنانية بالتزامن مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية. غير أن الخلاف لا يزال قائماً حول ترتيب الخطوات: لبنان يطالب بالانسحاب أولاً، بينما تربط إسرائيل انسحابها بمعالجة سلاح «حزب الله». ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة المصيرية: هل تستطيع الولايات المتحدة تقديم ضمانة فعلية ودائمة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية؟ وهل ستضع جدولاً زمنياً ملزماً للانسحاب من الأراضي اللبنانية؟ وهل ستضغط على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، أم ستكتفي بنقل مطالبها إلى الحكومة اللبنانية؟ أما السؤال الأكثر أهمية، فيتعلق بمدى استعداد واشنطن والدول الصديقة لتقديم دعم عسكري ومالي طويل الأمد للجيش اللبناني، يسمح له بتولي مسؤولياته كاملة. فالجيش لا يستطيع الانتشار وضبط الحدود وحماية البلاد إذا بقي يعاني نقصاً في التجهيزات والرواتب والإمكانات اللوجستية. عناصر من الجيش اللبناني في جنوب لبنان ولا يكفي أن يطالب المجتمع الدولي بحصر السلاح بيد الدولة؛ بل تقع عليه مسؤولية مساعدة هذه الدولة لتصبح قادرة على حماية شعبها وأرضها، كي لا يبقى الخوف من إسرائيل ذريعة لبقاء السلاح خارج الشرعية. اتفاق يحمل بذور الانقسام تعكس مواقف نواب «حزب الله» حجم الاعتراض على مسار المفاوضات وشروط الاتفاق المطروح. فقد اعتبر النائب غازي زعيتر أن التفاوض المباشر مع إسرائيل لم ينتج سوى «وعود في الهواء»، في إشارة إلى غياب الثقة بالالتزامات الإسرائيلية والضمانات الدولية. أما النائب حسين الحاج حسن فحذر من أن اتفاق الإطار «يحمل في مضمونه بذور فتنة داخلية»، معتبراً أن محاولة فرض نزع السلاح في ظل الاحتلال والضغوط الخارجية قد تؤدي إلى مواجهة بين اللبنانيين بدلاً من معالجة الخطر الإسرائيلي. وتكشف هذه المواقف أن المسألة لم تعد خلافاً تقنياً حول آلية تسليم السلاح، بل أصبحت قضية تمس التوازنات السياسية والطائفية ومستقبل النظام اللبناني. فأي محاولة لمعالجة الملف بالقوة أو بمنطق الغلبة يمكن أن تفتح الباب أمام اضطرابات داخلية لا قدرة للبنان على تحملها. وفي المقابل، فإن إبقاء الوضع على حاله يحمل مخاطر لا تقل خطورة، لأنه يسمح باستمرار الانقسام حول قرار الحرب والسلم، ويمنع قيام دولة سيدة قادرة على التفاوض باسم جميع اللبنانيين. ولذلك لا بد من حوار وطني واضح وصريح يضع استراتيجية دفاعية متكاملة، تحدد دور الجيش والقوى الأمنية، وتوفر ضمانات لجميع المكونات، وتضع جدولاً زمنياً واقعياً لمعالجة السلاح خارج الدولة، بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات. الشعب اللبناني تعب من الحروب بعيداً عن المواقف الحزبية والتجاذبات الإقليمية، يعيش الشعب اللبناني حالة من الإنهاك الشديد. فقد تعب اللبنانيون من الحروب المتكررة ومن النزوح والدمار والانهيار الاقتصادي، ولم يعودوا قادرين على دفع أثمان صراعات تتجاوز حدود بلدهم وإمكاناته. اللبنانيون يريدون دولة تحميهم، لا ساحات مفتوحة للرسائل الإقليمية. يريدون جيشاً قوياً، ومؤسسات تعمل، وحدوداً آمنة، واقتصاداً يتعافى، ومستقبلاً لا يهدده صاروخ أو غارة أو قرار حرب يتخذ خارج المؤسسات الدستورية. ولذلك تبقى الوحدة الوطنية الحصن الأساسي في مواجهة أي أطماع أو اعتداءات. لكن الوحدة لا تعني تجاهل الخلافات أو تأجيل القرارات الصعبة، بل تعني التوافق على أن الدولة وحدها صاحبة السيادة، وأن جميع اللبنانيين متساوون في واجب الدفاع عن الوطن وفي حقهم بالحماية. كما أن استعادة هيبة الدولة لا تتحقق بالشعارات، وإنما بخطة متكاملة تبدأ بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، وتمر بتقوية الجيش، وتنتهي بحصر السلاح والقرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الشرعية. لبنان إلى أين؟ يقف لبنان اليوم عند مفترق طرق حقيقي. فإما أن تنجح زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن في الحصول على التزامات أميركية واضحة، تقود إلى انسحاب إسرائيلي فعلي ودعم الجيش وإطلاق عملية سياسية داخلية لمعالجة ملف السلاح، وإما أن تبقى الوعود معلقة ويتحول اتفاق الإطار إلى مصدر جديد للانقسام. المطلوب من الرئيس عون أن يحمل إلى البيت الأبيض موقفاً لبنانياً سيادياً متكاملاً: لا سلاح خارج الدولة، ولكن أيضاً لا احتلال ولا اعتداءات ولا انتقاص من السيادة. وعلى الولايات المتحدة، إن أرادت نجاح مشروعها، أن تمارس نفوذها على جميع الأطراف، لا أن تطلب التنازلات من الجانب اللبناني وحده. وفي النهاية، لا يستطيع أي حزب، مهما بلغت قوته، أن يحمي لبنان بمفرده، كما لا تستطيع أي ضمانة خارجية أن تحل محل التفاهم الداخلي. إنقاذ البلاد يبدأ عندما يقتنع اللبنانيون بأن قوتهم الحقيقية ليست في تعدد الجيوش والأسلحة، بل في دولة عادلة وقادرة، وجيش واحد، وقرار وطني واحد. ويبقى السؤال الكبير معلقاً بانتظار ما سيصدر عن لقاء واشنطن: هل يدخل لبنان مرحلة استعادة الدولة والسيادة، أم يجد نفسه أمام فصل جديد من الوعود المؤجلة والحروب المفتوحة؟
|