| شعارات هانسون تذكّرنا بما حدث ويحدث في الشرق الأوسط |
** الكراهية لا تؤدي الى بناء وطن بل إلى الانقسامات وعدم الاستقرار وزعزعة الوحدة الوطنية
|
شعارات هانسون تذكّرنا بما حدث ويحدث في الشرق الأوسط 17/07/2026 سيدني - الميدل ايست تايمز الدولية: عندما تتردّد في أستراليا دعوات تعيد إلى الأذهان سياسة «أستراليا البيضاء»، لا يعود الأمر مجرد تصريح سياسي عابر أو محاولة جديدة لاستقطاب الناخبين، بل يتحول إلى إنذار خطير يمسّ الأسس التي قامت عليها أستراليا الحديثة: المساواة، والتعددية الثقافية، واحترام كرامة الإنسان بصرف النظر عن أصله أو دينه أو لون بشرته. التصريحات التي أدلت بها زعيمة حزب «أمة واحدة» السيناتورة بولين هانسون، خلال مشاركتها في برنامج مع الناشط البريطاني اليميني المتطرف تومي روبنسون، أعادت إلى الواجهة خطاباً اعتقد الأستراليون أن بلادهم تجاوزته منذ عقود. فقد ربطت هانسون مشكلات الهجرة بإلغاء سياسة «أستراليا البيضاء»، التي فُرضت بعد قيام الاتحاد الأسترالي عام 1901 لتقييد هجرة غير الأوروبيين، قبل تفكيكها نهائياً في سبعينيات القرن الماضي. إن استحضار تلك السياسة العنصرية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لا يمكن اعتباره مجرد حنين إلى مرحلة تاريخية سابقة، لأن تلك المرحلة قامت أساساً على التمييز والإقصاء وتفضيل فئة من البشر على غيرها. كما أن إلقاء اللوم على المهاجرين والمسلمين والأفارقة وتحميلهم مسؤولية المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، يفتح الباب أمام تحويل مجموعات كاملة من المواطنين إلى أهداف للشك والكراهية والتحريض. وهذا تحديداً ما يدفعنا إلى التذكير بما حدث، وما يزال يحدث، في عدد من دول الشرق الأوسط. فالانقسامات الكبرى لم تبدأ دائماً بالحروب أو بالسلاح، بل بدأت في كثير من الأحيان بكلمة تحريضية، أو خطاب طائفي، أو اتهام جماعة بأنها غريبة عن الوطن، أو أقل انتماءً من غيرها. ثم تحولت الكلمات إلى قطيعة اجتماعية، والقطيعة إلى خوف، والخوف إلى صدام، قبل أن تستيقظ الشعوب على دول ممزقة ومؤسسات منهارة ومجتمعات فقدت الثقة بنفسها. لقد عانى لبنان، على سبيل المثال، طويلاً من الخطابات التي قسمت اللبنانيين وفق الطوائف والمناطق والهويات الضيقة. وكلما ارتفع صوت يدّعي احتكار الوطنية، أو يصنّف بعض المواطنين باعتبارهم أكثر أصالة من غيرهم، تراجعت الدولة وتقدّمت العصبيات. وكانت النتيجة حرباً أهلية طويلة، وتهجيراً وانهياراً ما زال اللبنانيون يدفعون ثمنه حتى اليوم. وفي العراق وسوريا واليمن وغيرها، لعب خطاب الكراهية المذهبي والقومي دوراً أساسياً في تمزيق المجتمعات. لم يعد المواطن يُنظر إليه باعتباره شريكاً في الوطن، بل باعتباره سنياً أو شيعياً أو مسيحياً أو كردياً أو عربياً أو منتمياً إلى قبيلة أو منطقة محددة. وعندما تضعف الهوية الوطنية الجامعة، يصبح العنف أكثر سهولة، ويصبح تقسيم البلاد وإشعال الفتن مشروعاً قابلاً للتنفيذ. من هنا، فإن ما يقال اليوم في أستراليا لا ينبغي التعامل معه باستخفاف. فأستراليا ليست محصنة تلقائياً ضد الانقسام. إن قوتها لا تأتي من جغرافيتها أو اقتصادها وحدهما، بل من قدرتها على جمع أشخاص ينحدرون من ثقافات وديانات مختلفة تحت مظلة المواطنة والقانون. طوني بيرك وقد عبّر وزير الشؤون الداخلية طوني بيرك بوضوح عن خطورة الدعوة إلى العودة إلى مفهوم «أستراليا البيضاء»، مشدداً على أن حب أستراليا يعني حبها كما هي اليوم، لا التمسك بتصور مشوّه لبلد ينقلب فيه المواطنون بعضهم على بعض ويفقدون القدرة على التعاطف والاحترام المتبادل. وكان تشبيهه للمجتمع بالأوركسترا بالغ الدلالة، إذ قال إنه لا يمكن العثور على أوركسترا تكون فيها جميع الآلات متشابهة. فالجمال لا ينتج من صوت واحد، بل من تناغم الأصوات المختلفة. وكذلك هو المجتمع الأسترالي: لا تأتي قوته من إلغاء الاختلاف، بل من تنظيمه ضمن منظومة قانونية وأخلاقية تحمي الجميع. أما الادعاء بأن بعض المهاجرين قدموا إلى البلاد للاستفادة من نظام الرعاية الاجتماعية، أو أن المسلمين ينجبون الأطفال اعتماداً على أموال دافعي الضرائب، فهو تعميم ظالم يفتقر إلى المسؤولية. ففي كل مجتمع قد توجد حالات إساءة استخدام أو اعتماد مفرط على المساعدات، لكنها لا تبرر وصم ملايين الأشخاص أو الحكم عليهم وفق دينهم أو أصولهم. لقد ساهم المهاجرون من مختلف الجنسيات في بناء أستراليا، وعملوا في المصانع والمستشفيات والمدارس والمزارع وقطاع الإنشاءات والأعمال التجارية. كما قدّم أبناء الجاليات المسلمة والعربية والإفريقية والآسيوية إسهامات مهمة في الاقتصاد والثقافة والبحث العلمي والخدمات العامة. ولا يمكن إنكار أن أستراليا تواجه تحديات حقيقية تتعلق بالهجرة والاندماج والإسكان والضغط على الخدمات العامة. ومن حق السياسيين مناقشة هذه الملفات، ومن واجب الحكومات وضع سياسات هجرة مدروسة وعادلة، وضمان احترام القوانين واللغة والقيم الديمقراطية. لكن هناك فارقاً كبيراً بين النقاش المسؤول حول السياسات، وبين تحويل المهاجرين إلى كبش فداء واستثمار الخوف منهم لتحقيق مكاسب انتخابية. وقد أكد رئيس الوزراء أنطوني ألبانيزي، خلال إعلان الحكومة استجابتها للتقرير الخاص بمكافحة الإسلاموفوبيا، أن الكراهية الموجهة ضد أي جماعة تلحق الضرر بالمجتمع الأسترالي كله، وأن التنوع يشكل إحدى أهم نقاط قوة البلاد. وهذه ليست مجرد عبارة سياسية، بل حقيقة ينبغي التمسك بها. فعندما يتعرض المسلم للكراهية بسبب دينه، أو الآسيوي بسبب ملامحه، أو الإفريقي بسبب لون بشرته، أو اليهودي بسبب هويته، فإن الخاسر ليس الضحية وحدها، بل المجتمع بأكمله، لأن الخوف يبدأ من جماعة ثم ينتقل إلى غيرها. إن مواجهة الإسلاموفوبيا أو العنصرية لا تعني منع النقد أو تقييد حرية التعبير، وإنما تعني التمييز بين النقد المشروع والتحريض، وبين مناقشة الأفكار وإهانة البشر، وبين الاعتراض على سياسات الهجرة والدعوة الضمنية إلى تصنيف المواطنين وفق أعراقهم ودياناتهم. لقد علمتنا تجارب الشرق الأوسط أن الأوطان لا تنهار فجأة. تبدأ المسألة عندما يعتاد المجتمع سماع لغة الإقصاء، ثم يتقبل التمييز، ثم يصمت عن الظلم، إلى أن تصبح الكراهية جزءاً من الحياة العامة. لذلك، يجب ألا تسمح أستراليا بإعادة إنتاج أخطاء دفع آخرون ثمنها دماً ودماراً وتهجيراً. فالعودة إلى شعارات «أستراليا البيضاء» ليست عودة إلى زمن أفضل، بل ارتداد إلى مرحلة قامت على التفرقة والظلم. أستراليا التي نعرفها اليوم ليست بلداً لعرق واحد أو دين واحد. إنها وطنٌ لمواطنين متساوين، جمعهم القانون والمستقبل المشترك. وحماية هذا الوطن لا تتحقق بإقصاء بعض أبنائه، بل بحماية وحدتهم وكرامتهم، وبمواجهة كل خطاب يحاول زرع الشك والكراهية بينهم. فالكراهية لا تبني دولة، ولا تحمي حدوداً، ولا توفر فرص عمل، ولا تحل أزمة سكن. إنها لا تنتج إلا الانقسام وعدم الاستقرار وزعزعة الوحدة الوطنية. ومن يريد أن يعرف أين يمكن أن تقود هذه اللغة، فما عليه إلا أن ينظر إلى التجارب المريرة في الشرق الأوسط، حيث بدأت المآسي بشعارات صغيرة، وانتهت بأوطان مدمّرة. |