الأستاذ راشد شاتيلا : السلام العالمي… حين تنتصر الحكمة على وهم القوة







الأستاذ
راشد شاتيلا : السلام العالمي… حين تنتصر الحكمة على وهم القوة



في عالمٍ
تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المصالح، تقف الإنسانية أمام سؤالٍ مصيري: هل ما
زالت الحروب قادرة على صناعة مجدٍ حقيقي، أم أنّها لم تعد سوى طريقٍ مختصر نحو
الخسارة الشاملة؟ إن التأمل العميق في واقعنا المعاصر، كما في صفحات التاريخ، يكشف
بوضوح أنّ الحروب، مهما اختلفت دوافعها وشعاراتها، لا تُنتج إلا مزيدًا من
الانهيار، وأنّ ما يُروَّج له أحيانًا كـ“انتصار” لا يعدو كونه كلفة مؤجلة يدفع
ثمنها الإنسان أولًا وأخيرًا.



فالخسارة
الاقتصادية التي تخلّفها الحروب ليست مجرد أرقامٍ في موازنات الدول، بل هي انهيارٌ
في بنية الحياة نفسها. حين تتجه الموارد نحو النزاع بدل البناء، تتراجع التنمية،
وتتآكل فرص العمل، وتفقد الأجيال الشابة حقها في مستقبلٍ مستقر. ومع كل حرب، يُعاد
توجيه الجهد البشري من الإبداع إلى البقاء، ومن الإنتاج إلى النجاة، فتخسر
المجتمعات أعظم ما تملك: طاقاتها الحيّة.



أما البيئة،
التي لم تعد ترفًا فكريًا بل شرطًا لبقاء الحياة، فتكون الضحية الصامتة للحروب. إذ
لا تقتصر آثار النزاعات على ما هو ظاهر من دمار، بل تمتدّ إلى تلوّثٍ طويل الأمد
يطال الهواء والمياه والتربة، ويهدّد التوازن الطبيعي الذي تعتمد عليه البشرية
بأسرها. وفي زمنٍ يعاني فيه الكوكب أصلًا من أزمات مناخية متفاقمة، تصبح الحروب
عاملًا مضاعفًا للخطر، يسرّع من تدهور البيئة ويضع مستقبل الجميع على المحك.



غير أنّ
المأساة الأعمق تبقى إنسانية، تتجلّى في الوجوه التي لا تُرى غالبًا في عناوين
الأخبار. فذوو الاحتياجات الخاصة يجدون أنفسهم في قلب العجز، محرومين من الرعاية
والدعم في لحظات هم بأمسّ الحاجة إليها. وكبار السن، الذين أفنوا أعمارهم في بناء
مجتمعاتهم، يُتركون لمواجهة الخوف والوحدة دون حماية. أما الشباب، الذين يُفترض أن
يكونوا عنوان الأمل، فيتحوّلون إلى ضحايا أو شهود على عالمٍ يُسلب منهم قبل أن
يمنحهم فرصته.



وهنا تتكشّف
الحقيقة الأخلاقية الكبرى: الحروب لا تميّز في ظلمها، لكنها تُثقل كاهل الأضعف
أكثر من غيره. ومن هذا المنطلق، يصبح السعي إلى السلام ليس خيارًا سياسيًا فحسب،
بل واجبًا إنسانيًا يفرضه الضمير قبل أي اعتبار آخر.



إن السلام
العالمي، في جوهره، ليس حلمًا مثاليًا بعيد المنال، بل هو نتيجة منطقية لاحترام
القوانين، وترسيخ العدالة، وتغليب الحوار على الصراع. فالقانون، حين يُحترم،
يتحوّل إلى لغة مشتركة بين الشعوب، وإلى ضمانة تمنع انزلاق الخلافات نحو العنف.
أما حين يُهمَّش، فإن الفراغ الذي يتركه يُملأ سريعًا بالفوضى، وتصبح القوة هي
الحكم الوحيد.



لقد أصبح
العالم اليوم أكثر ترابطًا من أي وقت مضى، ما يعني أنّ أي نزاع، مهما بدا محصورًا،
يمتدّ أثره ليطال الجميع. ومن هنا، فإن مسؤولية تحقيق السلام لم تعد تقع على عاتق
دولةٍ بعينها، بل أصبحت مسؤولية جماعية تتطلب وعيًا عالميًا وإرادة مشتركة.



وفي النهاية،
لا يمكن لأي حضارة أن تدّعي التقدم وهي عاجزة عن حماية إنسانها، ولا يمكن لأي نظام
عالمي أن يستقرّ ما لم يكن قائمًا على العدالة لا على موازين القوة. إن الطريق إلى
المستقبل لا يُبنى بالسلاح، بل بالعقل؛ ولا يُرسم بالصراع، بل بالتفاهم.



فالسلام ليس
ضعفًا، بل هو أعلى درجات القوة… لأنه وحده القادر على حماية الإنسان، وصون كرامته،
وضمان استمرارية الحياة في عالمٍ يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يكون إنسانيًا
قبل أي شيء آخر.



 



الأستاذ
راشد شاتيلا محلل سياسي لبناني خبير في الذكاء الاصطناعي و إدارة البيانات 
.