| الدور الماروني الحقيقي لم يكن يوماً في الصراع على السلطة بقدر ما كان ... |
|
*من رسالة مار مارون إلى مستقبل لبنان*: دورٌ متجدد، نظامٌ اتحادي، وحيادٌ يحفظ الرسالة… كي لا يُقال في المستقبل أنّ "الموارنة مرّوا من هنا…" بقلم د. بيار يونس *يأتي عيد مار مارون كل عام كتذكيرٍ عميق بالجذور الروحية والتاريخية التي أسهمت في تكوين لبنان وهويته*. فمار مارون لم يكن مجرد ناسكٍ في التاريخ، بل مؤسس مسارٍ فكري وروحي قائم على الحرية والكرامة والتشبث بالأرض والانفتاح على الإنسان. ومن هذه المدرسة نشأت جماعة حملت عبر القرون رسالة صمود وبناء وثقافة، *وأسهمت بفعالية في ولادة لبنان الكيان والدولة*. لقد كان للموارنة دور أساسي في الماضي العميق للبنان، ليس فقط في حماية الوجود الحر في الجبال، بل أيضاً في إطلاق حركة العلم والثقافة والاقتصاد. فأنشأوا المدارس والجامعات، وساهموا في بناء الإدارة الحديثة، *وكانوا جسراً حضارياً بين الشرق والغرب. ولم يكن هذا الدور انعزالياً أو فئوياً، بل جزءاً من رؤية لبنان كمساحة لقاء وتعددية وشراكة بين جميع مكوناته.* اليوم، ومع ما يمر به لبنان من أزمات وجودية سياسية واقتصادية واجتماعية، تبدو الحاجة ملحّة لاستعادة هذا الدور ولكن بروح أكثر عمقاً وحداثة، هذا الدور الذي يوازي تاريخهم ورسالتهم. فالتحديات الراهنة لا تُواجه بالحنين إلى الماضي فقط، بل بإنتاج أفكار ونماذج جديدة قادرة على حماية التعددية اللبنانية وضمان الاستقرار والتنمية. *من هنا، يبرز النقاش الجدي حول اعتماد نظام اتحادي (فيدرالي) في لبنان كأحد الطروحات التي تستحق البحث المسؤول والهادئ*. فهذا الطرح لا يعني التقسيم كما يُشاع، بل يمكن أن يشكّل إطاراً دستورياً يضمن مشاركة عادلة بين المكونات اللبنانية، ويحافظ على الخصوصيات الثقافية والاجتماعية، ويعزز الإدارة الرشيدة والتنمية المتوازنة، *ضمن دولة واحدة موحدة قوية*. إن الفيدرالية، إذا نوقشت بوعي وطني، قد تتحول إلى وسيلة استقرار بدل أن *تبقى مادة تخويف وسجال.* *وبالتوازي، تبرز ضرورة تبني صيغة حياد واضحة للبنان، حياد لا يعني الانعزال أو التخلي عن القضايا الإنسانية*، بل حماية لبنان من صراعات المحاور الإقليمية والدولية التي أثقلت كاهله لعقود. حياد فاعل يسمح للبنان بأن يبقى مساحة حوار وخدمة للسلام والثقافة وحقوق الإنسان، بدلاً من أن يكون ساحة صراع بالوكالة، ويعيد تثبيت دوره الحضاري والإنساني في المنطقة والعالم. أما على مستوى القيادات المارونية اليوم، فالمسؤولية مضاعفة. فالمطلوب أن ترتقي هذه القيادات فوق الحسابات الضيقة والمناكفات السياسية التي أضعفت الدور وأفقدت الثقة. *المرحلة تحتاج إلى رؤية تاريخية وشجاعة فكرية، وإلى خطاب جامع يطمئن اللبنانيين جميعاً، لا خطاب تنافس داخلي أو تسجيل نقاط.* فالدور الماروني الحقيقي لم يكن يوماً في الصراع على السلطة بقدر ما كان في إنتاج الأفكار وبناء الدولة وصون المؤسسات. *إن استعادة هذا الدور لا تخدم الموارنة وحدهم، بل لبنان كله*. فلبنان، في جوهره، مشروع شراكة حضارية لا ينجح إلا بتكامل أدوار مكوناته. وعندما يكون الموارنة في موقع المبادرة الفكرية والوطنية، فإنهم يعززون الاستقرار الوطني لا العكس. *في عيد مار مارون، تبقى الرسالة الأعمق العودة إلى الجوهر: حرية الإنسان، قوة الدولة، عمق الانتماء، والانفتاح على المستقبل.* وبين نظام اتحادي مدروس، وحياد يحمي لبنان، ودور ماروني متجدد في الفكر والبناء والاقتصاد، يمكن للبنان أن يستعيد توازنه ومكانته كرسالة سلام وتعددية في هذا الشرق المضطرب، كي لا يُقال يوماً أن "الموارنة مرّوا من هنا" فقط، بل أنهم أسهموا مجدداً في صناعة المستقبل. |