الخطة سقطت بضربة قاضية





"شورى الدولة" يصفع الحكومة ويذكّرها بدماء الصدّيقين المودعين
١٥ شباط ٢٠٢٤ 
جاكلين بولس
منذ بداية الانهيار، تسعى الحكومة لغسل يديها من الأموال التي اودعتها المصارف لدى البنك المركزي وهي في الحصيلة تعود للمودعين الذي انتهى بهم الأمر بعد سنوات من العمل الشاق، ينتظرون التعاميم الصادرة عن المركزي وتعديلاتها علّهم يغنمون بضع دولارات من ودائعهم لا تكفي لشراء أدوية خريف العمر.
تخرج الحكومة بخطط نهوض مالي مصرفي ترتكز كلها على شطب ودائع المصارف بالعملة الصعبة لدى المصرف المركزي، وهي خطط لا ترقى إلى مستوى الأزمة المالية والمصرفية التي يعيشها لبنان منذ العام 2019 وقد صُنفت على أنها ثالث أصعب أزمة مالية عالمية منذ نحو مئة عام، فكل ما يهم الحكومة والرؤوس المدبّرة فيها كيفية التنصل مما أكده التدقيق المالي حول مسؤوليتها عن تبديد 67.5 مليار دولار حتى العام 2020 و20 مليار على سياسة الدعم وصولاً إلى يومنا هذا، علماً أن الصرف في السنوات الأخيرة كان محصوراً بها وبالمصرف المركزي.
خطة الحكومة هذه سقطت بضربة قاضية من مجلس شورى الدولة الذي أبطلها وألغى كل مفاعيلها معللاً الأسباب وأبرزها حرية الملكية وعدم المساواة بين المستفيدين من الدعم وخلو الخطة من أي إشارة إلى إعادة الودائع.
لكن الحكومة التي تمارس سياسة التذاكي على المواطنين والمصارف وربما على صندوق النقد أيضاً والمجتمع الدولي برمّته الذي يطالبها بإقرار إصلاحات مالية ضرورية، سرّبت مشروع خطتها الجديدة التي ستناقشها الأسبوع المقبل، واستبقها المركزي بالتعاميم الهجينة التي تعيد مئة ألف دولار من الوديعة المستحقة على شاكلة دفعات من 150 دولاراً في الشهر وعبر تقسيط طويل الأمد يمتد لسنوات أطول من عمر المودع وربما ورثته أيضاً، كما تعيد 36 ألف دولار من الوديعة غير المستحقة عبر الترتيب عينه ما يعني الحاجة إلى 30 مليار دولار، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن تأمين هذه المبالغ للمودعين إذا كانت سيولة البنك والمركزي والمصارف معاً لا تساوي نصف هذا المبلغ؟
قرار مجلس الشورى ملزم وعلى الدولة اللبنانية إعادة الديون إلى المركزي ليعيدها بدوره إلى المصارف ومن هناك إلى جيوب أصحابها بحسب الخبراء القانونيين، مع التذكير بأن "أحد عشر مصرفاً تقدم من وزارة المالية بمذكرة ربط نزاع طالب فيها الدولة اللبنانية بتسديد مستحقاتها للمركزي، ليسدد مستحقات المصارف التي بدورها تسدد مستحقات المودعين". ويرى الخبراء القانونيون أن قرار مجلس شورى الدولة يشكل مرتكزاً لما يمكن أن تقدم عليه المصارف في مذكرة ربط النزاع والإجراءات القانونية التي قد تلجأ إليها، بحيث لا تستطيع الدولة تحميل المصارف مسؤولية تصحيح المالية العامة وأعباء ميزانية البنك المركزي.
وبعد صدور قرار مجلس الشورى على الادارات المعنية كافة أن تأخذ بمضامينه وتلتزم به، وعليه بات قرار الحكومة بحكم "منعدم الوجود" وعادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل إصدار قرار الشطب. ويؤكد الخبراء أنه لو لم يبطل مجلس شورى الدولة هذا القرار لكان سيؤثر على أموال المودعين كون هذه الودائع التي أودعها كل شخص في مصرفه والتي سُلمت إلى المركزي كانت ستطير في حال حصول عملية شطب لها. أما اليوم فمن المفترض العمل على خطة نهوض جديدة لإعادة هذه الأموال إلى أصحابها ضمن إطار تحقيق العدالة الاجتماعية للمودعين كافة ولما فيه خير ومصلحة البلاد.
وإلى أن تُقر الدولة بمسؤوليتها عن الفساد المستمر والهدر الحاصل وعدم التقدم بمشاريع جدية للإصلاح المالي وللنهوض ستستمر الفجوة المالية الضخمة ويبقى المودع في حالة "شحادة" على أبواب المصارف، وتستمر عمليات إقتحام بعض الفروع للمطالبة بودائع تكون في غالبيتها تحويشة العمر ولا تزيد عن خمسين ألف دولار، كما تبقى العين على الخطوة التالية لجمعية المصارف انطلاقاً من مذكرة ربط النزاع.