بلغوا القمرَ وامتلكوه ونحن مختلفون على مُـلكيةِ الهلال.





بلغوا القمرَ وامتلكوه ونحن مختلفون على مُـلكيةِ الهلال.

17 حزيران 2013

                                                سجعان القزي

                                                نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية

صحِّحوا لي معلوماتي إنْ كنتُ مخطئاً: ما من جماعةٍ عربية تعرّضت لمحنة وجودية إلا واستعانت بإسرائيل لتحميَ نفسَها من جماعات عربية أخرى. وغالباً ما كانت إسرائيل تلبي النداء لا ضَـنّـاً بدماء عربية، بل تأجيجاً لصراع دائر. لم تقتصر هذه الظاهرة على جماعات عربية متاخمةٍ لإسرائيل، إنما شملت أخرى بعيدةً عنها جغرافياً (من المحيط إلى الخليج).

المسلسل الموثَّـق

        بدأت هذه الظاهرة سنة 1948 مع نشوء دولة إسرائيل ، فانضم إليها دروزُ فلسطين وانخرطوا في الجيش الإسرائيلي امتيازاً دون سائر الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين.

        سنة 1970 وقعت أحداث "أيلول الأسود" في الأردن فلجأت مجموعات فلسطينية إلى إسرائيل لتفادي غارات الطيران الأردني.

        في السبعينات الماضية احتلت المنظماتُ الفلسطينية جنوبَ لبنان ونكّـلت بأهله فاستعاضوا (شيعةً ومسيحيين) بإسرائيل عن غياب الدولة اللبنانية.

        سنة 1976 حاصرت القوات المشترَكة (الفلسطينية والسورية والحركة الوطنية اليسارية) المناطقَ المسيحية اللبنانية ونـفّـذت قتلاً جماعياً أشبهَ بمشروعِ إبادة وتهجير، فزوّدت إسرائيل المسيحيين بالسلاح ورسمت خطاً أحمر يمنع اجتياحَ ما بقي من مناطق مسيحية.

        سنة 1982 توجّهت القواتُ العسكرية المسيحية إلى الشوف وعاليه فترك الجيش الإسرائيلي سلاحه للدروز الجنبلاطيين ليهزموها في الجبل فكانت المجازر وتهجير مسيحيي الجبل.

        سنة 1981 بعد سقوط الشاه، أرسلت إسرائيل إلى دولة إيران الخمينية طائراتٍ محمّـلةً بالسلاح، ثم كررت الشحنات سنة 1985 أثناء حرب إيران والعراق، فكانت فضيحة "إيران كونترا غيت".

        سنة 1983 انفجر الصراع العسكري في السودان فسارعت إسرائيل تُـقدِّم السلاحَ والخبرات لجنوب السودان ضد الحكومة المركزية التي ظلت حتى سنة 2011 ترفض الاعتراف للجنوبيين بحق تقرير المصير.

        في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي اضطهد صدام حسين أكراد العراق فساعدتهم إسرائيل في مشروع بناء حكم ذاتي في منطقة كردستان.

        سنة 2007 انفجر الاقتتال بين قوات فتح وحماس في الضفة الغربية وغزة فاستعان الفلسطينيون بالإسرائيليين (سلاحاً ومعلومات استخباراتية) لقتال بعضهم البعض.

        سنة 2000 انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان فهرب عناصر جيش لبنان الجنوبي المتعدّدو الطوائف إلى إسرائيل خوفاً من انتقام حزب الله والدولة اللبنانية.

        سنة 2011 اندلعت ثورةٌ في مصر، وتعاظمَ دورُ الإسلاميين المتشددين وتزايد اضطهاد الأقباط، فتقدمت 237 عائلة قبطية سنة 2012 بطلب هجرة إلى إسرائيل.

        سنة 2013، بعد مرور سنتين على الثورة السورية، بدأت تظهر أسلحةٌ إسرائيليةُ الصنعِ لدى المعارضة. ولما يَشتدّ القتال تتوجّـه مجموعات سورية إلى معبر القنيطرة هرباً من المعارك فيستقبلهم الجيش الإسرائيلي.

المشاعر الغريبة

مقابل هذه الوقائع المثبتة بالصوت والصورة والوثائق (على الإنترنيت وفي المكتبات)، لا بد من الاعتراف بأن مختلِفَ هذه الفئاتِ العربية ما كانت لتقبلَ دعمَ إسرائيل لو أنجدتها قوى عربية أو صديقة. والدليل أن مسيحيي لبنان، وموارنته تحديداً، تقـبّـلوا سنة 1976 قوات الردع العربية. لكن الجيش السوري هرّب هذه القوات ليبقي وحدَه جيشَ احتلال بموافقة إسرائيلية أميركية دامت نحو ثلاثين سنة (1976 / 2005).

ظاهرة الاستعانة بإسرائيل بسبب اضطهاد عربي آخر، تعني أن الأخوّةَ العربية لدى بعض العرب شعارٌ نظري، وأن العداءَ لإسرائيل لدى البعض الآخر مسألةٌ نسبية. وما يَفضح هذا الواقعَ المَـرَضِـيَّ هو عددُ حالات التواطؤ النفسي والسياسي والأمني التي اكـتُشفت بين دولة إسرائيل وأطرافٍ عربية (دول وأحزاب وجماعات ومذاهب).

في مجرى الحرب الأهلية السورية يَرِدُ سؤال: ماذا سيكون شعور المعارضةِ السورية لو قصفت طائرةٌ إسرائيلية قصرَ الرئيس بشار الأسد؟ ألن تنزلَ إلى الشوارع وتقدِّم "البرازي"؟ وماذا سيكون شعور أهلِ النظام لو قصفت طائرةٌ إسرائيلية مقرَّ اجتماعات هيئة تنسيق الثورة السورية؟ ألن يهللوا ويوزعوا "قمر الدين"؟

يؤكد هذه المشاعر السلبية ما ذكره أحد الدعاة المسلمين، الشيخ الدكتور علي الربيعي على موقعه "التويتر" وعلى مسؤوليته: "إنَّ فرحَ المسلمين بضرب إسرائيل قاعدة صواريخ في سوريا (أوائل أيار الماضي) ليس معيباً، فقد فَرِح الرسولُ والصَحابةُ بانتصارات الروم على شيعة كِسْرى (ملك فارس) وأيـّـدَهم القرآن".

أما في لبنان، فلا يزال الأمن العام اللبناني يمنع دخولَ أي أجنبي سبَـق أن زار إسرائيل. ولا تزال الدولة اللبنانية تنأى بنفسها عن إعطاء حق العودة الآمنة لعائلات لبنانية جنوبية لجأت إلى إسرائيل سنة 2000، فيما تستقبل مليون نازح سوري.

الأسئلة الوجودية

أبعد من اللحظة الحالية، هناك قضايا مزمنة تَـقُضُّ تاريخنا وتشوّه مستقبلنا الشرقي والعربي. وِجدانُنا يَنزف مُـذِ استُـلَّت السيوفُ. اختصرنا مجدنَـا بالدمّ، فانتقلنا من الفخر إلى النحْر، ومن الصحراء إلى التصحّر. ألا يجدر بالعرب والمسلمين أن يفكروا، أن نفكِّر معاً، في الظواهر التالية:

لماذا جماعاتٌ عربية تضطهد جماعةً عربية أخرى؟ أليسوا أخوةً بالدين واللغة والكتب والتاريخ والجغرافية والثقافة؟

لماذا يستمر القتال في ما بين العرب أو المسلمين للأسباب نفسها، بالشعارات نفسها، بالطريقة نفسها وفي المواقع نفسها منذ 1400 سنة؟

لماذا كل المصالحات بين العرب أو المسلمين لا تدوم طويلاً، فيما تصمد المعاهدات الأمنية والسلمية بين الدول العربية وإسرائيل؟

لماذا كل ثورات العرب والمسلمين تصب في ديكتاتورية عسكرية أو في ديكتاتورية دينية أو في ديكتاتورية عائلية أو في الثلاث معاً؟

لماذا تعايش المسلمين مع غير المسلمين لا يسلم طويلاً؟ أليس بسبب غياب مفاهيم الديمقراطية والحريات والمساواة والاعتراف بحقوق الآخرين؟

لماذا يحتكم العرب والمسلمون إلى السلاح والعنف والإرهاب لحل مشاكل وقضايا تحلها الشعوب الأخرى بالحوار والسياسة والمؤتمرات والقانون الدولي؟ إن كنا لسنا معجبين بهؤلاء الشعوب فلـنَـغَر منهم ونحسُدْهم على الأقل. لقد بلغوا القمرَ وامتلكوه، وما زلنا مختلفين على ملكيةِ الهلال.

لماذا الشعوب في كل أقطار العالم توقِّع معاهداتِ أخوّة وتضامن، فيما لا يوقّع العرب والمسلمون سوى معاهدات عدم اعتداء؟ وهيهات أن تصمد.

الشعوب المسيحية على اختلاف طوائفها وَلَجت زمنَ السلام بينما الشعوب العربية لا تزال في زمن الحرب؟ إن نسبة الشتائم والأحقاد بين الشيعة والسنة على مواقع "التواصل الاجتماعي" تفوق كل تصوّر، وهي بالتأكيد تفوق ما يقال بين العرب والإسرائيليين.

كيف تكون إسرائيل عدونا الوحيد، وهي الوحيدة التي لا نقاومها ولا نحاربها ولا نزرع الفتنة في مجتمعها؟

ألا يجدر بنا أن نتساءل لماذا لا توجد حروب في القرن الحالي إلا في دول عربية وإسلامية، إما داخل الدولة أو مع دول أخرى؟ أصدفة أم مؤامرة؟ وهل يمكن تنفيذ مؤامرة من دون أدوات محلية؟

حري بنا، لبنانيين وعرباً ومسلمين، أن نطرح هذه الأسئلة الوجودية. أن نراجع وضعنا ونعاين بعد هذه المسيرة الزمنية الطويلة مدى الضرر الذي لحق بنا كدول وشعوب وأديان وطوائف ومواطنين. مجتمعاتنا تعجّ بالقوى الحية، بالعرب النيّرين والمسلمين التقدميين القادرين على خلق عالم عربي وبيئة إسلامية تواكب العصر، تنشر روح الإسلام الصافي، تفرز القيم عن الرذائل، والخير عن الشر. إني أعرف هؤلاء.

لقد ابتدع العقلُ عِلمَ الاجتهادِ والفقه لإيجاد الحلول ونشر الأمن والسلام والمحبة، لا لتحوير الحقيقة وحرفِ الدين وتحليل القتل والاقتتال. إن كل تفسير للحياة لا يصبّ في مفهوم الخير والمحبة والتقدم لا قيمة شرعية أو تشريعية أو دينية أو وطنية له. إنها ساعة مواجهة القدر. إنها ساعة إعادة تحديد الذات ومعرفة الآخر. قدر الإنسان العربي والمسلم أن يكون حراً وسامياً. لكن يبدو أننا سئِمنا قتالَ إسرائيل ولم نسأم قتال بعضنا البعض.