أوباما ومعضلة التدخل في سوريا 17/05/2013 أظهر الرئيس الأمريكي باراك أوباما حذراً شديداً بشأن تدخل عسكري في سوريا، على الرغم من الضجة التي أثارها دعاة الحرب حول استخدام أسلحة كيماوية في النزاع السوري . ويبدو أن أوباما لا يريد تكرار تورط عسكري بناء على ذرائع مشكوك فيها، مثلما حدث في العراق، وقبل ذلك في فيتنام . وحول هذا الموضوع، كتب الباحث في مركز التقدم الأمريكي (مركز دراسات واشنطن) لورانس كروب مقالاً نشره في موقع “ذي ناشيونال إنترست” ودعا فيه “الصقور” إلى تعلم دروس الماضي . كتب يقول: بينما تدرس الإدارة الأمريكية كيفية الرد على المزاعم بأن الرئيس السوري بشار الأسد تجاوز الخط الأحمر الذي حدده الرئيس أوباما، باستخدامه مقداراً صغيراً من غاز السارين الكيماوي، يتعين عليها أن تضع في ذهنها ثلاثة أحداث تاريخية على الأقل . الحادثة الأولى وقعت في أغسطس/ آب ،1964 عندما كنت أؤدي الخدمة العسكرية كضابط طيران في البحرية الأمريكية، وعندما ترددت مزاعم بأن الفيتناميين الشماليين هاجموا سفناً أمريكية في خليج تونكين . وخلال مناقشة الحادثة مع قائد سربي الجوي، الذي كان قد قام بمهمات قتالية في الحرب العالمية الثانية ثم الحرب الكورية وشارك في الجسر الجوي إلى برلين أثناء حصارها عام ،1949 جادل بأن ما كانت إدارة جونسون تقوله بشأن ما حدث في تونكين محض هراء . فإضافة إلى الشكوك حول ما حدث فعلاً، رأى أنه لا يعقل أن تستفز فيتنام الشمالية الولايات المتحدة وتعطيها مبرراً لشن هجوم انتقامي . وكما تبين في ما بعد، كان ضابط وحدتي محقاً تماماً . ولكن للأسف، استغلت إدارة جونسون حادثة خليج تونكين ذريعة لاستصدار قرار من الكونغرس وفّر لها غطاء لشن حرب استمرت عقداً، وأدت إلى مقتل نحو ستين ألف أمريكي وملايين من الفيتناميين، إضافة إلى تدمير فيتنام . الحادثة الثانية جاءت عام ،1998 عندما شنت إدارة كلينتون هجوماً مزدوجاً بصواريخ “كروز” استهدف معسكرات ل”القاعدة” في أفغانستان ومصنعاً للأدوية في السودان، الذي كانت “القاعدة” تتمركز في أراضيه في السابق . وبررت الإدارة الهجوم على المصنع السوداني بأن تحليلات مختبرية لعينات جمعتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي آي إيه” أعطت مؤشرات إلى أن المصنع كان ينتج غاز الأعصاب “في إكس” . وتبين في ما بعد أن تحليل عينات التربة تلك لم يكن قاطعاً إطلاقاً، وأن الأدلة التي أقامت صلة بين المصنع وحصول “القاعدة” على أسلحة كيماوية لم تكن جديرة بالثقة إطلاقاً . وادعى منتقدون أن من الممكن أن يكون القصف الأمريكي قد تسبب بطريقة غير مباشرة بمقتل مئات السودانيين الذين حرموا من أدوية مهمة كان المصنع ينتجها . وفي وقت سابق من العام الحالي، وبمناسبة الذكرى العاشرة لغزو العراق المشؤوم عام ،2003 تجدد النقاش حول واقعة تاريخية ثالثة عندما نشر ستيفان هادلي، نائب المستشار الرئاسي لشؤون الأمن القومي وقت الغزو، مذكرات قال فيها إن أحداً في إدارة بوش لم يتساءل يوماً عمّا إذا كان صدام حسين قد خادع بشأن امتلاكه أسلحة نووية . وكانت تلك إمكانية، بسبب تخوف صدام من سعي الإيرانيين إلى الثأر منه لغزوه بلدهم في العام 1980 . علاوة على ذلك، لم يتساءل أحد لماذا سمح صدام، لو كان يمتلك فعلاً أسلحة دمار شامل، بالسماح لمفتشي الأمم المتحدة بالعودة إلى العراق في أواخر ،2002 مع أنه كان يعلم أن إدارة جورج بوش تسعى إلى تبرير خططها للحرب بسعيه المزعوم لامتلاك أسلحة نووية . كما أن ريتشارد هاس، الذي كان في حينه مديراً لدائرة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية، نشر حديثاً كتاباً استعار فيه كلمات من ريتشارد نيكسون بقوله إن التسويغ الحقيقي لحرب العراق كان إظهار أن الولايات المتحدة ليست “عملاقاً عاجزاً وتعيساً” . وإذا تأملنا في هذه الواقعة التاريخية، سنجد أصداء لها اليوم في خطاب صقور واشنطن الذين يدعون إلى القيام بعمل عسكري في سوريا . وخلال فترة الاستعداد للحرب في العراق، أخفق مسؤولو إدارة بوش في إثارة الأسئلة التي ناقشناها أعلاه بشأن نوايا صدام ودوافعه المحتملة للخداع من أجل الإيهام بأنه يمتلك أسلحة دمار شامل . وعلى الرغم من ادعائهم بأن برنامج صدام لصنع أسلحة نووية كان يشكّل تهديداً وشيكاً، إلا أنهم رفضوا إعطاء مفتشي الأمم المتحدة فرصة للقيام بعملهم قبل بدء الحرب . وفي الواقع، أخفق طاقم بوش حتى في إجراء تحليل لجدوى سياسة تغيير النظام في العراق قبل بدء الحرب . استناداً إلى هذه السوابق التاريخية، يتعين على أولئك الذين يدعون إلى عمل عسكري في سوريا أن يعطوا إدارة أوباما وقتاً لكي تجري تقييماً كاملاً للأدلة المزعومة بشأن استخدام أسلحة كيماوية . وكجزء من عملية التقييم هذه، يجب على الولايات المتحدة أن تسأل سؤالين مركزيين: * أولاً، أي سبب قد يجعل الأسد يستخدم مقادير صغيرة من غاز السارين ضد المعارضين (والمدنيين)، بينما لديه تحت تصرفه العديد من الأسلحة التقليدية الفتاكة الأخرى، خصوصاً أنه يعرف تماماً أن استخدام الأسلحة الكيماوية سيوفر للولايات المتحدة تبريراً واضحاً لكي تتدخل؟ وهو يدرك أيضاً أن تدخل القوة العسكرية العظمى الوحيدة في العالم في سوريا سيعني بالتأكيد نهاية نظامه . كما أن الأسد يعتقد أنه من دون تدخل الولايات المتحدة، سيبقى قادراً على البقاء . فلماذا إذاً سيقدم على أعمال ستزيد بالتأكيد احتمالات تدخل الولايات المتحدة؟ * ثانياً، لا بد أن يحلل المسؤولون الأمريكيون الأدلة بشأن استخدام نظام الأسد غاز السارين - وهم يعكفون على ذلك الآن . وقد أعلن مسؤولون أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية “واثقة بدرجات متفاوتة” من أن غاز السارين قد استخدم، وأنها تفترض أن عناصر في النظام قد استخدمته . وربما يكون ذلك افتراضاً سليماً، ولكن هل هو يكفي لتبرير حرب؟ قبل حرب العراق، وصفت تقييمات الاستخبارات بشأن امتلاك صدام أسلحة دمار شمال بأنها “يقين قطعي” . والآن وقد تعلمنا ذلك الدرس المؤلم، لا بد أن نتفحص إمكانية أن يكون غاز السارين قد استخدم عن طريق الخطأ - إن كان قد استخدم فعلاً - أو أن تكون عناصر مارقة في نظام الأسد قد استخدمته . ومن الممكن أيضاً أن الأسد تعمد اختبار حدود الخط الأحمر الذي حدده الرئيس أوباما، ولكن هذا ليس سوى احتمال واحد من بين احتمالات عديدة أخرى . ولكن حتى إذا أكدت الأدلة في النهاية أن الأسد قد استخدم أسلحة كيماوية، فإن المسألة ستكون: ما الخيارات التي يجب أن نتبناها رداً على ذلك؟ هذه الخيارات تتراوح بين اللجوء إلى الأمم المتحدة من أجل إرسال مفتشين دوليين يتمتعون بحرية حركة كاملة في سوريا، (وشن ضربات جوية محدودة تستهدف منشآت عسكرية أو يقتضي التمهيد لها بضربات أولية مكثفة على نطاق واسع من أجل إضعاف دفاعات سوريا الجوية الهائلة)، أو شن غارات جوية بالتزامن مع قيام قوات خاصة بتنفيذ عمليات ميدانية محدودة من أجل السيطرة على مخزونات الأسلحة الكيماوية (الأمر الذي سيكون محفوفاً بمخاطر كبيرة)، أو تدخل عسكري بري على نطاق واسع كما يدعو إلى ذلك بعض الصقور، بمن فيهم كثيرون من أولئك الذين دفعونا إلى التورط في العراق . ولكن ليس هناك إجماع حول الهدف الاستراتيجي لأي تدخل أمريكي في سوريا، ولهذا فإن العمل العسكري يبقى مسألة يصعب البت فيها . وبينما يدرس الرئيس أوباما خطوته التالية، من الواضح أنه على حق في التروي في الأمر . إذ إن آخر شيء تحتاجه الولايات المتحدة هو أن تندفع بتهور إلى حرب كارثية أخرى مثل حرب فيتنام أو العراق، خصوصاً أن الغموض يلف الأدلة بشأن استخدام أسلحة كيماوية في سوريا، وأن وجود تهديد لأمننا أمر مشكوك فيه . وحتى تدخل عسكري محدود ينطوي على مخاطر، وشن هجوم على سوريا لن يكون ضرورة، وإنما سيمثل حرباً اختيارية . ولهذا يجب النظر فيه فقط بعد حسابات استراتيجية دقيقة، وبمشاركة الكونغرس وحلفائنا، والأمم المتحدة . ومن الواضح أننا لم نتخذ بعد أية من هذه الخطوات التحضيرية . |